السيد محمد تقي المدرسي
132
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
الأثر اليوناني في التصوف عند المسلمين هنالك أثران لليونان على متصوفة المسلمين ، أحدهما مباشر ، عبر الأفلاطونية الجديدة ، والثاني غير مباشر ، عبر اليهود والنصارى المتأثرين بالثقافة اليونانية . وفيما يلي يوضح الدكتور قاسم غني العلاقة بين التصوف والفكر اليوناني بكلا بعديه المباشر وغير المباشر « 1 » : يرى البعض أن منابع التصوف الإسلامي هي المسيحية والرهبانية ، حيث تعمقت الأفكار العرفانية في الدينين المسيحي واليهودي قبل ظهور الإسلام بمدة مديدة ، فلقد فعلت أفكار فيلون الحكيم اليهودي في السنين الأولى من القرن الأول الميلادي بالتوراة من التأويلات والتفسيرات الصوفية ، ما فعله بعدئذ المتصوفة بالقرآن . وهكذا ترسخت في المسيحية آراء أفلوطين الذي كان يُسمى عند أصحاب الملل والنحل الإسلامية ب - ( الشيخ اليوناني ) ، وقد أشاعها في الآفاق طائفة من المسيحيين الذين سموا بالمرتاضين والتوابين وتاركي الدنيا في كل مكان . ولقد متن انتشار الإسلام في سوريا والعراق ومصر صلة المسلمين بالرهبان المسيحيين ، وعرفوا عاداتهم وأفكارهم ، وأقوالهم بصورة أفضل ، وتقبلوا كثيراً منها ، حتى أن بعض أعداء التصوف من المسلمين كانوا يعيّرونهم بأنهم يتشبهون بالرهبان المسيحيين . لقد كان لبس الصوف الذي يحتمل بقوة أن تكون كلمة الصوفي منه ، من عادات الرهبان المسيحيين حين أصبح بعدئذ شعاراً للزهد عند الصوفية . وهكذا يُعتبر العيش في الزوايا والصوامع إلى درجة ما ، تقليداً للمسيحيين والرهبان ، حتى أنه جاء في تراجم العرفان أن أول زاوية للصوفية بنيت على يد أمير مسيحي « 2 » .
--> ( 1 ) ( ) لا يحضرني كتاب ( تاريخ التصوف الإسلامي ) للدكتور قاسم غني ، لذلك انقل النصوص من ترجمته الفارسية من كتاب : عارف وصوفي چه ميگويند . ( 2 ) ( ) المصدر ، ص 12 - 13 .